اسماعيل بن محمد القونوي

457

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

إطلاقه على المعنى الأعم أكثر مثل قوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وقوله تعالى : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] ومراده أنهما متقاربان لكن السيئة قد تخص ( فيما يقصد بالذات ) والغالب فيها الاستعمال في مطلق ما يقصد سواء كان بالذات أو بالعرض ( والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض ) لكنها قد تستعمل في مطلق ما يقصد أيضا مثال ما يقصد بالعرض من رمى صيدا فأصاب إنسانا أو شرب مسكرا فجنى جناية وحاصله إن قصده في نفسه شيء آخر لكن لما أدى ذلك الشيء الآخر إليه وحصل منه ذلك الفعل أطلق القصد عليه بالعرض مجازا وإلا فلا قصد حينئذ أصلا كالقتل خطأ والعرض اشتهر بينهم في المجاز وإن أطلق على القصد بالذات تبعا لغيره والحاصل إن الفعل عمدا يطلق عليه سيئة في الأغلب وفعل القبيح خطأ يطلق عليه خطيئة في الأغلب أيضا وقد يستعمل كل منهما في مطلق القبيح ( لأنها من الخطأ والكسب استجلاب النفع ) . قوله : ( وتعليقه بالسيئة على طريقة قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] على طريقة الاستعارة التهكمية أو التمليحية لكن الأخير لا يوجد في كلام اللّه تعالى فيتعين الأول والمراد استجلاب النفع الأخروي المراد هنا فلا بد أن يكون نافعا في نفس الأمر ولا يكفي في إطلاق الكسب كون الكاسب زاعما نفعه لأنه اعتقاد فاسد يترتب عليه نفع في نفس الأمر ألا يرى أن من فعل شيئا معتقدا أنه يترتب عليه الفائدة ولم يترتب عليه فائدة معتدا بها أو لا تترتب أصلا يعد فعله عبثا ولا يخرج عن كونه عبثا اعتقاده الفائدة والكسب نفسه مشعر بذلك وأشار إليه بقوله استجلاب النفع أي تحصيل النفع وأما الفعل الذي لا يترتب عليه النفع فلا يسمى كسبا بل خسرانا فالاعتراض بأن المكسوب لا يلزم أن يكون نافعا في نفس الأمر بل يكفي أن يكون ملائما لطبع الكاسب نافعا في زعمه مؤثرا عنده مصادم للبداهة وكلام المص مع ملاحظة السباق والسياق وإن هذا الكلام مسوق لإبطال ما زعموا من أن النار لن تمسهم في الآخرة وأيضا أنه تعالى قد صرح في مواضع عديدة بخسرانهم وعدم ربحهم في تجارتهم حيث قال أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [ هود : 21 ] الآية ولا ريب أن هؤلاء الذين حكم بخسرانهم اختاروا الكفر على الإيمان والمعصية على الإحسان وحبب إليهم الكفر والعدوان فهل يسوغ لأحد أنهم من أرباب الكسب النافع خلاف ما نطق به القرآن الرافع . قوله : وتعليقه بالسيئة على طريقة قوله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : 21 ] يعني لما كان معنى الكسب استجلاب النفع فاستعماله في استجلاب الضر إنما هو من قبيل التهكم كاستعمال لفظ البشارة الموضوع للخبر الأول السار في القول المورث للغم إرادة التهكم والسخرية فلفظ كسب الذي استعمل هذا في استجلاب الضر استعارة مصرحة تبعية تهكمية قوله ملازموها في الآخرة تفسير لمعنى إضافة الأصحاب إلى النار يصرفها إلى المجاز لما أن إضافتها إليها إنما هي لأدنى ملابسة كإضافة الكوكب إلى الخرقاء في قوله : إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة * سهيل أذاعت غزلها في القرائب